الفيض الكاشاني
90
معتصم الشيعة في أحكام الشريعة
« مِثْلُكَ يَهْلِكُ وَلَمْ يُصَلِّ فَرِيضَةً فَرَضَهَا اللَّهُ » يشعر بأنّ الرجلين كانا متهاونين بالجمعة ، مع أنّهما من أجلّاء الأصحاب وفقهاء أصحابهما ، ولم يقع منهما عليهما السلام إنكار بليغ ، بل حثّاهما على فعلها ؛ فدلّ ذلك على أنّ الوجوب ليس عينيّاً ، وإلّا لأنكرا عليهما بتركها كمال الإنكار . نعم ، استفيد من حثّهما وقوله عليه السلام : « فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ » وجوبها في الجملة ؛ فيحمل على التخييري . قلنا : لا خلاف في أنّ وجوب الجمعة في زمان حضور الإمام عليه السلام عيني ، وإنّما الخلاف في غيبته [ إلّا أن يراد بالحضور ما يكون على جهة السلطنة والاستيلاء ، وهو خلاف ظاهر الأكثرين منهم ] « 1 » . وأيضاً فإنّ زرارة - راوي الحديث الأوّل - قد روى أيضاً ما أسلفناه من قوله عليه السلام : « فَرَضَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ خَمْساً وَثَلَاثِينَ صَلَاةً ، مِنْهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ فِي جَمَاعَةٍ » ، ولا شبهة في أنّ غير الجمعة من الفرائض وجوبه عيني ، فلو حمل وجوبها على التخيير على بعض الوجوه لزم تهافت الكلام واختلاف حكم الفرائض بغير مائز . وكذلك باقي الأخبار التي تلوناه صريحة أو ظاهرة في الوجوب العيني المضيّق . [ كلام الشهيد الثاني في تبيين علّة تهاون الأصحاب في إقامة الجمعة ] قال الشهيد الثاني « 2 » - طاب ثراه - في هذا المقام : « إنّ السرّ في تهاون الجماعة بصلاة الجمعة ما عُهِد من قاعدة مذهبهم أنّهم لا يقتدون بالمخالف ولا بالفاسق ، والجمعة إنّما يقع في الأغلب من أئمّة المخالفين ونوّابهم وخصوصاً في المدن المعتبرة ، وزرارة وعبد الملك كانا بالكوفة ، وهي أشهر مدن الإسلام ذلك الوقت ، وإمام الجمعة فيها مخالف منصوب من أئمّة الضلال ؛ فكانوا يتهاونون بها لهذا الوجه ، ولمّا كانت الجمعة من أعظم
--> ( 1 ) . ما بين المعقوفتين ليس في « ج » . ( 2 ) . رسائل الشهيد الثاني ، ج 1 ، ص 188 .